اخر الاخبار

الشاعر عـزت ابراهيم
في ديوان (حاجات مفقودة كتير)
بقلم/ العربى عبدالوهاب

يمكن رصد تجربة (عزت ابراهيم ) في إصداره (الثاني) عبر متابعة الذات في تجلياتها صعوداً فوق تخلخل وانزياح عالم الطفولة للوراء ، مع انقسام وتشظي واقع ملتبس يعكس بتشققاته الجروح والندوب التي طبعت ملامحها على ذاته ، وانعكاساً لتلك العلاقة ، يدخل الشاعر عبر معظم قصائد الديوان في خلق أو استعادة علاقات ـ في حالة إضاءة ـ مع أصوات قريبة جداً منه ، مستخدماً المونولوج / حوار النفس ليجسد بحضور هذه الأصوات لحظات من الشعرية ، تبدو كالتماعات البرق الخاطف في ليلة مظلمة [وما يميز القصيدة هو اعتمادها أسلوب القص التصويري في بناء تتابعي يقوم على التصوير والتنامي والكشف مع تعدد في الأصوات ، لتنتهي نهاية فاجعة مع بساطة ووضوح ، ولكن بغير تقريرية ولا مباشرة](4):-[الناس مش دايماً صادقين على طول ].
[ من غير ما هتحلف / عارف إنك إنسان جداً / رغم انك متأكد / إن الناس ../ موش دايماً صادقين على طول / ] [ لكنك / لحظة ما بتكدب / كدبك بيكون أبيض من قلب الأطفال ]

يعكس العنوان مفارقة واضحة بين الناس والصدق .. وبرغم يقين الشاعر بإنسانية الصوت المخاطب / الذي يمكن أن يجسد (عبر التوحد والانفصال أحياناً مع الشاعر .
حالة من الشعرية مبعثها المفارقة ، تعارض الطفولة الخضراء من الواقع ، فاليقين هو خفوت تلك الأطساف وابتعادها مع تطور الوعي على
[ فكرك ؟/ أنا لسه هاصدق !/ إنك لسه بريء / والناس اللي بتدبح بعضيها / صحيح .. / كانوا ف يوم أطفال زيـينا] .
كتابة تصور مرارة التجربة ببساطة وعادية ، لكنها متفجعة أيضاً بغير إلحاح أو مأساوية . فلم يزل الحُلم نائماً في عيني الرجل في (غيط الحلبة ) متمنياً أن يحصد حلبته ويشتري ملابس العيد لعيالة والدجاج لزوجته حيث يتم التنويع على تيمة (البيضة التي سوف تفقس فتصير فرخة ، ثم أفراخاً .. ثم .. ثم )، ثمة أحلام موجهة هنا، طفولة مستلبة ، تفيق على سرقة وبكاء للمستلبين الفقراء .
[فاكر / أنا يومها بكيت / موش بس بكيت ع الراجل / والواد العيان / أنا صعبت نفسي عليَّه / وخفت ]..
نلحظ اعتماد الشاعر على مفردة فاكر في بداية كل مقطع ، لتقوم بدورين أولاً النبش في عالم الطفولة ، ثانياً لُعبة قطع المشهد السابق والدخول في مقطع شعري جديد كتنويع دلالي ، يفتح مجالاً أكبر للاحتمالات . ويوسع أفق الدلالة النصية ، أما مفردة “وخفت” .. تفتح دلالة القصيدة على ألم قار في النفس ، انكسار لبهجة الطفولة على وعي مأزوم يشرذم الإنسان ويدفعه للخوف بكل أشكاله برغم قبول المُعطى الإنساني منذ بدء القصيدة [ من غير ما هتحلف ] حتى الخاتمة :
[ فاكر / انت مبتردش ليه……/ مترد عليه / إيه ..؟!/ طيب / والله ارتحت يا شيخ……/ عقبالي ] حيث تتم فيه مفارقة الصوت / وجه الطفولة بالموت وتمني الشاعر الوصول لنفس الخاتمة ، يبلور رغبته في التخلص من ذكريات وعوالم طفولته التي انسحقت وتهشمت عند تفتح الوعي على المفارقات الفاجعة ..
فـ ( الحاجات المفقودة ) هي تلك العوالم المستلبة من ذات الشاعر في قصائد [ النخل معادش جريده لطرح التمر ، الكُـتَّاب اللي بقى سوبر ماركت ، وحاجات مفقودة كتير ، ودم افرنجي ، وسارة ] تتنوع خلالها الأصوات الحاضرة في مونولوجات أسيانة ، راغبة في الإفضاء .. تخلق مع القارئ علاقات حميمة مع تلك الأصوات / الوجوه الواردة بملامحها المحزونة وأزماتها الصغيرة اليومية وهي تمثل بعداً دلالياً للمعايشة وتقيم جدلاً مع معطيات الواقع اليومي .. ونلحظ هذا جلياً في قصيدة [ سهراية طويلة شويه وحوار فاتر جداً ] . التي استعار خلالها الشاعر من الدايالوج / الحوار بدلاً من مناجاة النفس بصحبة أصوات هي في جوهرها وجوهاً أخرى لذاته .
وتلك القصيدة تعمل على تزاوج التاريخ مع الحكاية الشعبية . بل تمزج بين الحكايات الشعبية [ ناعسة وأيوب ، حواء وآدم ، إيزيس وأوزوريس ، نعيمة وحسن ] وتتلبس الأنثى أقنعة كل النساء في رحلة بحثها عن إيزوريس لذي قتله أخوه ست أو قابيل أو … ففعل الخيانة موجود منذ الأزل وكل المصائب ـ حسب المفهوم الشعبي ـ بدايتها النساء .
[ لما جالو ف يوم أخوه / قتله /
ودبَّحله الحمام/ أصله كان طمعان في أخته/ ديدمونة/ لأ.. إيزيس../ قصدي ناعسة/ لأ.. نعيمة/ م الحكايات القديمة كلها تشبه لبعض/ والحكاية دي وراثه من زمان/ جدلي بالك/ أي كارثة كات بدايتها النسا] وماذا يتفتق عن تلك الحوارية في هذه القصيدة ؟!! الطويلة نسبياً عن بقية قصائد الديوان / ليس بالطبع إعادة إنتاج التاريخ والحكاية الشعبية عبر تجليات أخرى فحسب عبر المحكي المعتق بروح التجربة الإنسانية بعيداً عن كذب صفحات التاريخ . بل بزرع الشك في المحتوى السالف .. زعزعة الوعي الكائن بطرح وعي ممكن قادر على تجاوز الثوابت المستهلكة وغير الفاعلة .. والدخول ، بها ، ومن خلالها ، إلى ألم ووجع وتفجع التجربة ـ في ذات الشاعر ـ التي
تحاول بلورة وعيها الممكن عبر التحولات .. استنباط خصوبة الأسطورة والتاريخ والولوج بها إلى حيز التشكيل الجمالي .. اكتشاف جماليات جديدة للقصيدة العامية في حوار واستعارة الأصوات والتقطيع والتصوير القصصي ، بإسقاط النثري منه والاعتماد على الدال المرهف الحساسية .. في صياغة مشهد يومي / تاريخي / للذات الراهنة في صراعها الراغب في البقاء وجدلها الدائم مع معطيات التفاصيل اليومية ورؤيتها المحكمة للعالم .

كما نرى ذلك واضحاً في رؤية قصيدة “سارة” للشارع من خلال شباكها الضيق ورغبتها الحميمة في الوصول للباب / الانفتاح على العالم . والهروب من الضيق إلى الأوسع .
تجربة عزت ابراهيم انسلخت من رومانسيتها الأولى في ديوان [بنحب موت الحياة ] ودخلت معترك التشكيل وخلق جماليات خاصة لمشروعه الشعري بالاستفادة من أطروحات قصيدة النثر مع ارتباطه بالموسيقى التفعيلية . لكنه فعل الأصوات والأقنعة والحوار والسرد
والفنون الأخرى ، وأدخلها في تشكيلات ملامح عالمه الشعرى
—————-
* صدر ديوان حاجات مفقودة كتير ضمن سلسلة الجوائز..هيئة قصور الثقافة عام ٢٠٠٠ م
* نشرت هذه القراءة ضمن ورقة بحثية لى بعنوان (عامية الحياة) ..مؤتمر اقليم شرق الدلتا عام ٢٠٠٢م

Comments

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محافظ قنا يتفقد التجهيزات الطبية بمستشفى الأورام (صور) تفقد محافظ قنا اللواء عبد الحميد الهجان، اليوم الإثنين، مستشفى الأورام؛ لمتابعة التجهيزات الطبية يرافقه الدكتور مجدي محمد، مدير المستشفى. أوضح “الهجان” أنه تم تجهيز المستشفى بـ12 جهازا جديدا أبرزها (الجاما كاميرا – السونار – المامو جرام – جهاز الصدمات) بتكلفة 11 مليونا و529 ألف جنيه، مؤكدًا أنها ستسهم بشكل كبير في تقديم خدمات علاجية مميزة لمرضى الأورام بالمحافظة.  وأكد المحافظ أن إقامة مستشفى لعلاج الأورام بقنا؛ لرفع كفاءة المنظومة الصحية، وتوفير كافة التخصصات الطبية اللازمة للمرضى من أبناء قنا، وتيسيرا عليهم بدلا من الانتقال إلى المحافظات المجاورة.  واختتم محافظ ...

عاجل

تتشرف أسرة جريدة وموقع المسؤولية بانضمام المهندس شادي الشريف الي كتيبة الإعلام الرياضي حيث تم تعيينه مدير القسم الرياضي بالجريدة واسرة التحرير تتمني له كل التوفيق والسداد والنجاح Comments comments

عاجل

تم تعيين الزميل المهندس شادي شريف مدير القسم الرياضي بالجريدة الرسمية والموقع الالكتروني واسرة الجريده والموقع تتمني للزميل شادي شريف السداد والتوفيق والنجاح الدائم Comments comments